من تراثنا

س م س

 

فضيلة الشيخ عبد الهادي حيدر

بقلم

الدكتور الشيخ علي سليمان الأحمد

قدسهم الله

 

عندما يُذكر اسم الشيخ عبد الهادي حيدر يرتسم في الذهن شخصٌ طويل القامة, عريض المنكبين, ذو إطلالةٍ تتكسّر من مهابتها الأجفان, وقد تبقى طويلاً في إغضائها لولا حفيفُ ابتسامةِ بِشرٍ وديعةٍ ترتسمُ على شفتيه فتغمرك بالمحبة والحنان وتنقلك من الرهب إلى الإطمئنان

أنّى للمرء أن يُقدّم للقارئ الشيخ عبد الهادي حيدر مهما أطنب وأطال وهو الذي كان عنواناً بارزاً يحتوي معنى جيلٍ بكامله, ويختصر في شخصٍ كل تاريخ هذا الجيل

 

لقد طلع على الدنيا في أعقاب الرّواد الأوائل الذين مزّقوا دياجير الظلام التي كانت تلُفُّ هذا الجبل, ومهّدوا له ارتياد مناهل العرفان, أمثال الشيخ سليمان أحمد والشيخ ابراهيم عبد اللطيف والشيخ يعقوب الحسن. ومن حذا حذوهم ممّن إن لم نسمّهم فذلك لتقصيرٍ منا لا انتقاصاً من أقدارهم, فأصبحت أبواب العرفان مفتحةً لمن يأتي بعدهم, ولكنهم سيجدون أنفسهم أمام مهامٍ مُلقاة على عواتقهم آخذة في التعاظم

.

وإنّ خير ما يُعرّفنا بالشيخ عبد الهادي حيدر هو أن نصحبه في مواقفه خلال مسيرة حياته

 

فقد حدّثني رحمه الله عن اتصاله بالشيخ سليمان أحمد فقال

إنّ أوّل معرفتي به كانت في إحدى زياراته لمنطقتنا (وكان صديقاً لوالده قدسهما الله) فكنت أصحبه طيلة مكوثه بيننا التي قد تمتد إلى الأسبوع و الأسبوعين أرافقه في غدواته وروحاته مرافقة الظل أقرأ عليه دواوين الشعراء, ومختلف كتب العرفان, فعرفنا من ذلك فيه الشاب المتعطش للمعرفة الذي يهجر لهو الصِبا وينذرُ نفسه للعلم والمعرفة

 

ولما عصفت الأهواءُ بالأحلام وقف مستمهلاً لا يتخذ موقفاً إلا بعد أن استعرض كل الحجج واستوضح كل المتشابهات والمبهمات, فلما بان له الصواب ونار, ضرب بعَرضِ الحائط كل متشابه, واعتصم بالمحكم لا يحولُ عنه ولا يزيغ, فأمنَ من أيّ ضلالٍ في بيّناتِ الطريق, وامتلك أقوى الأسلحة لردع المتأوّلين والمتقحّمين

 

وقد توّج كل ذلك بسيرةٍ علميةٍ في الحياة مُثلى حيث كوّن مع أخويه الشيخ حيدر عبد الله رمضان, والشيخ عبد الكريم سلامة, ثالوثاً توحّد في الدعوة إلى الإلفة التي جسّدوها بأشخاصهم مما أعاد مُريديهم اللُحمة التي تصيّرهم أبناء عقيدةٍ واحدة بعد أن كادت العصبيات والطائفية تنسيهم شرف الإنتماء لخير الأولياء

 

ولقد كان لمن شكا لي منه ليناً في بعض المواقف, ولمَزَ من غلوّه, بالمُداراة حتى لعَمَّت السفهاء منهم, بأن ليس في مثل ذلك مجالُ الحكم على الرجال بل يُحكم عليهم فيما يبدونه من حزمٍ عند جازمات الأمور, وعندئذٍ هل تعرف له مقاماً عند جدّ الجدّ إلا وكان فيه الرمح النافذ الذي لا يلتوي, والسيف الباتر الذي لا ينبو قصماً للباطل وإعلاءً للحق, وفي مثل هذا فقط تُعرَفُ المعادن, وبهذا فليتنافس المتنافسون

 

وعندما أعجزته السنون تلقّى الواقع المرير بكبرياء العزيز وتسليم المؤمن, فحبس نفسه في بيته يعبد الله ويتأمل ويستقبل الضّيفان والمسترشدين, ويكرم هؤلاء ويبرّ أولئك وينشُر شذا طُره في الآفاق إلى أن حُمَّ قضاءُ الله

 

فرحمه الله رحمة واسعةً فقد مرّ في سمائنا شهباً نيراً ولم يغب إلا بعد أن خلّف لنا من سيرته وأعماله شُعاعاً ساطعاً من النور نسير في ضيائه آمنين من كلّ عثار, ومحفوظين من كل ضلال, فجزاه الله بخير ما يُجزى به المجاهدون الصابرون

والسلام

 

د. علي سليمان الأحمد