الامام الثالث

 

الحسين ع

 

الامام الحسين (سيد الشهدا) ثاني ولد علي (ع ) من فاطمة بنت النبي الكريم ص

ولـد فـي السنة الرابعة الهجرية , وبعد استشهاد اخيه الحسن المجتبى , وصلت اليه الامامة بامر من اللّه جل شانه , ووفقا للوصية

تـعتبر مدة امامة الامام الحسين (ع ) عشر سنوات , عاشها مضطهدا, سوى الستة اشهر الاخيرة من عـهـده مـعاوية , فاعطت الشعائر الدينية محلها الى ما كانت تتمناه الحكومات من ظلم وجور وفسق وفـجـور, خـلافا لما يريده اللّه ورسوله

ومعاوية قداستخدم شتى الطرق والوسائل لتصفية اهل الـبيت , وكان يستعين باعوان وانصار له في تحقق هذا الامر فحاول طمس اسم علي وآل علي ومهد الـسـبـل لخلافة ابنه يزيد, فهياالمقدمات اللازمة التي لابد من اتخاذها لتحكيم الموقف , وان كانت هناك فئة معارضة لما شاهدوه من فجور يزيد وفسقه الا انهم لم يسلموا من غضب معاوية وسخطه , فوجه اليهم ضربات قاصمة

فـالـحـسـين (ع ) عاصر هذه الظروف الحالكة , وتحمل كل اذى من قبل معاوية واتباعه , حتى جا منتصف سنة ستين للهجرة , التي مات فيها معاوية , مخلفا ابنه يزيد

كـانـت البيعة سنة عربية تجري في امور مهمة كالملوكية والامارة وما شابه ,فيتقدم السادة وكبار القوم بمد يد البيعة والطاعة للملك او الامير, وكان يعتبر التخلف عن البيعة عارا, وتخلفا عن معاهدة رسـمـية , والبيعة كانت معتبرة في زمن النبي (ص ),وسيرته تؤيد ذلك , هذا اذا كانت تتصف بصفة الاختيار دون الاجبار والاكراه

لـقد اخذ معاوية البيعة من شرفا القوم ورؤسائهم , الا انه لم يتعرض للحسين (ع ), ولم يحمله بيعة يـزيـد, وقـد اوصى يزيد بعدم التعرض للحسين بن علي , اذا امتنع من البيعة له , فكان معاوية اكثر حنكا في الامور, وكان يرى العقبات التي تترتب عليه هذاالامر

ولـكن يزيد لما كان يتصف به من انانية , نسي وصية ابيه , فامر والي المدينة بعدوفاة ابيه معاوية ان ياخذ البيعة من الحسين , او يرسل براسه اليه

وبعد ان ابلغ والي المدينة بامر يزيد, ونقله الى الامام الحسين (ع ) طلب الحسين (ع ) مهلة لدراسة الموضوع , فخرج من المدينة في تلك الليلة , متجها الى مكة , والتجا بالكعبة التي هي مامن للمسلمين

هـذا مـا حدث اواخر شهر رجب , واوائل شهر شعبان من سنة ستين للهجرة ,والحسين قد قضى ما يـقـارب الاربـعة اشهر في مكة , في حالة اللجؤ انتشر النبا هذا شيئا فشيئا, حتى عم جميع البلدان الاسـلامـيـة , فـايد الحسين جمع من الامة الاسلامية , لماشاهدوه من ظلم وتعسف في زمن معاوية وابنه يزيد

هذا من جهة , ومن جهة اخرى , فقد انهالت الرسائل الواردة من العراق , وخاصة الكوفة على الحسين بـن عـلي , تطلب منه ان يتجه الى العراق , ليصبح قائدا لهم , وتتم على يده ازالة معالم الظلم والجور, ومن الطبيعي ان يشعر يزيد بخطورة الموقف

مكث الحسين في مكة حتى موسم الحج , فكانت تفد جماعات من المسلمين لادا الفريضة

عـلـم الـحسين بان هناك من اعوان يزيد وعملائه قد وصلوا مكة وهم يرتدون ردا الاحرام , وقد اخفوا تحته السلاح , لقتله حين قيامه بادا فريضة الحج

قـرر الحسين مغادرة مكة متجها الى العراق , فوقف خطيبا بين جمع غفير من المسلمين , فاوجز في خطبته واعلمهم بسفره الى العراق , واشار باستشهاده في هذاالطريق , وطلب العون منهم , في سبيل اهدافه المقدسة , والا يتوانوا في نصرته ونصرة الاسلام , دين اللّه الحنيف , وغداة ذلك اليوم , سلك طريق العراق مع اهله وعياله , ونفرمن شيعته واصحابه

لـقـد صمم الحسين على عدم البيعة ليزيد, وهو على علم بان الطريق هذا سينتهي به الى الاستشهاد وكان يعلم ان الجيش الاموي يتصف بالعدة والعدد, وانه مؤيد من قبل عامة الناس وخاصة اهل العراق

جـات الـيـه جـمـاعـة ممن لهم صلة به , فذكروا له خطورة الموقف والسفر الذي هوعازم عليه , والـنهضة التي هو قائدها, فاجابهم الحسين (ع ), انني لن ابايع يزيدا, ولااقربحكومة جائرة , واني عـلـى عـلـم بـانهم يريدون قتلي اينما اقمت , وما تركي لهذه البقعة المكرمة الا حرمة لهذا المكان المقدس (بيت اللّه الحرام ), والا تهتك حرم اللّه تعالى ,باهراق دمي .

سـار الـحـسين الى العراق , وفي طريقه , وصله نبا مقتل رسوله ومبعوثه الى الكوفة مسلم بن عقيل (ع ), مـع احـد من شيعته , على يد والي يزيد, وقد امر الوالي بعد قتلهما ان تربط ارجلهم بالحبال , ويدار بهما شوارع الكوفة وازقتها

فكانت الكوفة وضواحيها, تحت مراقبة شديدة من قبل الاعدا, تنتظر قدوم الحسين , والامارات دالة على قتله لا محالة وهنا اعلن الحسين مصرحا بنبا قتله دون تردد, واستمر في سيره .

حـوصـر الـحـسـين (ع ) ومن معه من قبل الجيش الاموي , على مسافة سبعين كيلومترا من مدينة الكوفة , في منطقة تسمى (كربلا) فكانت تضيق دائرة الحصار على هؤلا, ويزداد الجيش الاموي عـددا وعدة , وآل الامر الى ان يستقر الامام مع القلة من اصحابه في محاصرة من قبل ثلاثين الفا من الاعدا

حاول الامام في هذه الايام , ان يحكم موقفه , فاخرج من جنده من اخرج , وامربان يجتمع الاصحاب , فاجتمعوا, فقال الامام (ع ) في خطاب بهم , ان القوم لم يريدوا الاقتلي , وانا رافع بيعتي عنكم , فمن اراد منكم الفرار, فليتخذ الليل له سترا, وينجو بنفسه من الفاجعة الموحشة التي تتربص بنا

فـامـر بـاطـفـا الضيا, وتفرق جمع كثير ممن كان معه , الذين لم تكن اهدافهم سوى المادة والقضايا الـمـادية , ولم يبق معه الا مريدو الحق ومتبعو الحقيقة , وهم مايقارب من اربعين شخصا, وعدد من بني هاشم , وللمرة الثانية , جمع الامام الحسين (ع )اصحابه , فخطب فيهم قائلا

الـلـهـم انـي احـمـدك على ان كرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ,وجعلت لنا اسماعا وابصارا وافئدة فاجعلنا من الشاكرين

اما بعد, فاني لا اعلم اصحابا اوفى ولا خيرا من اصحابي , ولا اهل بيت ابر ولااوصل من اهل بيتي , فـجـزاكم اللّه عني خيرا, الا واني لا اظن يوما لنا من هؤلا, الا واني قد اذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني زمام , هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا

فقال له اخوته وابناؤه وبنو اخيه وابنا عبداللّه بن جعفر, لم نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك قـال بعضهم : ما نفعل ذلك , ولكن نفديك بانفسنا واموالنا واهلينا, ونقاتل معك حتى نرد موردك , فقبح اللّه العيش بعدك

فقام مسلم بن عوسجة خطيبا, قال : انحن نخلي عنك وبما نعتذر الى اللّه في اداحقك ؟ اما واللّه حتى اطـعن في صدورهم برمحي واضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي , ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم بـه , لقذفتهم بالحجارة , واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه انه انا قد حفظنا غيبة رسوله فيك , اما واللّه , لو قد علمت اني اقتل ثم احيا, ثم احرق ثم احيا, ثم اذرى , يفعل ذلك بي سبعين مرة , ما فارقتك حتى القى حمامي (الموت )دونك , وكيف لا افعل ذلك , وانما هي قتلة واحدة , ثم هي الكرامة التي لا انقضا لها ابدا

وصـل الانـذار الى الامام في عصر يوم التاسع من محرم (اما البيعة او القتال ) من جانب العدو فطلب الامام المهلة لتلك الليلة لغرض العبادة , وقرر القتال ليوم غد

وفـي يـوم الـعاشر من المحرم سنة 61 هق استعد الامام مع جمعه القليل (لايتجاوز عددهم تسعين شـخـصـا, اربعون ممن جاوا معه , ونيف وثلاثون التحقوا بالامام في ليلة الحرب ونهارها من جيش الاعدا, والبقية كانوا من الهاشميين , بما فيهم ولده واخوته وابنا اخوته وابنا اخواته وابنا عمومته ) استعدوا في معسكر واحد امام العددالغفير من جيش الاعدا, فاشتعلت نار الحرب

حـارب هـؤلا مـن الصباح الباكر حتى الظهيرة , واستشهد الامام مع سائر الفتية الهاشميين , فلم يبق منهم احد, (وكان بين القتلى طفلان للامام الحسن وطفل ورضيع للامام الحسين

اغار الجيش بعد انتها الحرب على حرم الامام , واشعلوا النيران في مخيماتهم وحزوا رؤوس الشهدا وسلبوا ما على ابدانهم من ردا وملابس , وتركوا الاجساد عارية على الارض , دون ان يواروهم في الـتـراب , ثـم سـاروا باهل بيت الامام (حرمه ) زوجاته وبناته اللواتي لم يكن لهن ماوى مع رؤوس الشهدا الى جانب الكوفة (ولم يكن في الاسرى من الرجال سوى القليل , منهم ابن الامام وهو السجاد شـاب فـي سن الثانية والعشرين , وقد اشتد عليه المرض , وولده في سن الرابعة (محمد بن علي ) الامام الخامس , وكان باقيا ايضا الحسن المثنى ابن الامام الثاني , والذي كان صهرا للامام الحسين (ع ) وكـان قد اصيب بجراح كثيفة في جسمه , وكان طريحا بين القتلى وقدعثروا عليه وهو في آخر رمـق مـن حـيـاتـه , ولـم يقتل بسبب تشفع احد الامرا, وكان من جملة الاسرى الذين جاوا بهم الى الكوفة ), ونقلوهم من الكوفة الى دمشق حيث مستقر يزيد

وقد فضحت ((واقعة كربلا)) وكذا ما قام به هؤلا الاسرى من خطب , وهم ينقلون من بلد الى بلد, فـي الـكـوفـة والـشـام منهم بنت الامام اميرالمؤمنين علي (ع )والامام الرابع اللذان كانا من جملة الاسـرى , فضحا نوايا بني امية , وكشفا النقاب عما كان يقوم به معاوية طوال سنوات عدة , حتى ادى الامر بيزيد الى ان يستنكر من عماله واعوانه في الملا العام من هذه الواقعة المفجعة

كانت واقعة كربلا عاملا مؤثرا عجل في ابادة حكومة بني امية , وساعد على ترسيخ مبادئ الشيعة , وكان من نتائجها الحروب الدامية طوال اثني عشر عاما, ومالازمتها من ثورات وانتفاضات , ولم ينج احد ممن ساهم وشارك في مقتل الحسين واصحابه من الانتقام والاخذ بالثار

ولـيس هناك ادنى شك لمن يطالع تاريخ حياة الامام الحسين (ع ) ويزيد,والاوضاع في ذلك الوقت , ويـدقـق النظر فيها بانه لم يكن هناك سوى طريق واحد, وهومقتل الحسين (ع ) وما كانت نتيجة الـبيعة مع يزيد الا هتكا لحرمات الاسلام , وهذا ما لم يرض به الامام , لان يزيد لم يحترم الاسلام , ولم يتصف بصفات تجعلة يتقيد او يراعي شيئا منه , ولا يابى بسحق وابادة جميع المقدسات والقوانين الاسلامية

الا ان اسـلافـه كانوا يحترمون الشعائر الدينية , ولم يخالفوها في الظاهر, وما كانوايقومون به من اعمال كانت تصطبغ بصبغة دينية , وكانوا يحافظون على المظاهر الدينية ,ويفتخرون بالنبي (ص ) وسائر القدوة والزعما الدينيين الذين كانت لهم منزلة لدى الناس

ومـن هـنـا يـتضح ما يعتقده بعض مفسري الحوادث والوقائع التاريخية بان الحسن والحسين عليها الـسـلام كـانـا يـتصفان بصفات متباينة , فالحسن يحبذ الصلح على خلاف الحسين الذي كان يرجح الحرب والقتال , في حين ان الاول اتخذ جانب الصلح مع معاوية مع ما كان يلازمه من جيش تقدر عدته باربعين الفا, والثاني ((الحسين )) نهض بجيشه الذي يراوح عدده الاربعين في القتال مع يزيد, ومن هـنـا يتضح سقم هذاالتفسير, لاننا نرى الحسين (ع ) الذي لم يرضخ تحت حكم يزيد يوما واحدا, كـان يـعيش مع اخيه الحسن (ع ) (في حدود العشر سنوات في حكم معاوية ) ولم يعلن الحرب على مـعاوية ومما لا شك فيه , انا الحسن والحسين اذا كانا يريدان الحرب مع معاوية لكان القتل نصيبهما, فـضلا عن ان هذا القتل لا ينفع الاسلام والمسلمين بشي ,ولم يجد اي نفع امام سياسة معاوية , الذي كان يصف نفسه بالصحابي وكاتب الوحي وخال المؤمنين , وما شابه ذلك مما اتخذه كوسيلة وذريعة

هـذا وكان بامكانه ان يقتلهم بايادي مقربيهم , ويبدي حزنه , والانتقام ممن قام بهذا العمل كما فعله مع الخليفة الثالث